بروفايل العلامة علي الوردي "ابن خلدون القرن العشرين"

شكل العلامة على الوردي علامة فارقة في تاريخ العراق المعاصر في حقل علم الاجتماع الحديث وذلك بسبب البساطة والعمق فغدت طروحاته ونظرياته واستنتاجاته منتشرة بين العامة لسلاسة الجملة التي يكتبها وحرصه على التوصيل لكافة الطبقات بروح العالم المعطاء دون منة او تلفيق ملغز. لذا لم تكن اغلب الطبقات الحاكمة على وفاق معه طيلة حياته التي عاشها دارسا ومدرسا ومحاضرا وباحثا المعيا يتميز بالصراحة والمواجهة وصلابة الرأي.

ولادته

ولد العلامة علي حسين محسن عبد الجليل الوردي (1913– 13 تموز 1995 م)، ولقب عائلته الوردي نسبة إلى أن جده الأكبر كان يعمل في صناعة تقطير ماء الورد

وحمل الوردي بذرة حبه للكتب والدراسة رغم انه تركها عام 1924 ليعمل صانعاً عند عطار، ولكنه كان يترك الزبائن وينشغل بالقراءة مما اضطره الى فتح دكان مستقل صغير وظلت روحه معلقة بالدراسة فرجع اليها بالدراسة الابتدائية عام 1931في الصف السادس الابتدائي وبعدها أصبح معلما وأبدل زيه الشعبي الى زي (الافندي) واعتمر السدارة الفيصلية.

وحصل على المرتبة الثالثة على العراق بالدراسة الثانوية فأرسل لبعثة دراسية الى الجامعة الأمريكية في بيروت وحصل على البكالوريوس وارسل في بعثة أخرى إلى جامعة تكساس حيث نال الماجستير عام 1948 ونال الدكتوراه عام 1950. فاصبح عالم الاجتماع ووالاستاذ والمؤرخ  الذي عرف باعتداله وموضوعيتة وهو من رواد العلمانية في العراق.

حياته الوظيفية

عين الدكتور علي الوردي عام ١٩٤٣ في وزارة المعارف مدرسا في الاعدادية المركزية في بغداد. ثم مدرسا لعلم الاجتماع في كلية الآداب في جامعة بغداد عام ١٩٥٠، أحيل على التقاعد بناء على طلبه ومنحته جامعة بغداد لقب (استاذ متمرس) عام 1970.

كتب وألف العديد من البحوث المهمة والكتب والمقالات ولم يلتفت إلى مستقبله الشخصي، وإنما كانت حياته معاناة وتعب واجتهاد وأختلف مع الحكام في بعض الأمور، وفي هذه المعاناة وحدها رأى المستقبل يصنع بين يديه.

ومنذ أواخر السبيعينات انشغل بكتابة مذكراته لإخراجها في كتاب.

تأثر بمنهج ابن خلدون

كان الوردي متأثرا بمنهج ابن خلدون في علم الأجتماع. فقد تسببت موضوعيته في البحث بمشاكل كبيرة له لانه اختص بالفرد العراقي ولم يتبع المناهج السائدة في أيامه مثل الماركسية او الاتجاهات القومية.

تحليلاته في بنية المجتمع العراقي الحديث

تعتبر دراسة علي الوردي للشخصية العراقية هي الأهم من نوعها حيث حلل علي الوردي الشخصية العراقية على اعتبارها شخصية ازدواجية تحمل قيم متناقضة هي قيم البداوة وقيم الحضارة ولجغرافيا العراق أثر في تكوين الشخصية العراقية فهو بلد يسمح ببناء حضارة بسبب النهرين ولكن قربه من الصحراء العربية جعل منه عرضة لهجرات كبيرة وكثيرة عبر التاريخ آخرها قبل 250 سنة تقريبا.

حلل أغلب مناطق العراق ما عدا المناطق الكردية في العراق بسبب عدم إلمامه باللغة الكردية حسب قوله في كتاب “دراسة في طبيعة المجتمع العراقي “. بالإضافة إلى تأثر الدكتور الوردي بابن خلدون فلا ننسى تأثره أيضا بالجاحظ في نظرته الموضوعية ومنهجه العقلاني وتحليلاته الاجتماعية والنفسية للسلوك البشري.

مميزات أبحاث ومؤلفات الوردي

تفرد العالم الدكتور الوردي بالدخول بتحليلات علمية عن طبيعة نشأة وتركيب المجتمع العراقي الحديث خصوصا بعد عهد المماليك وفيضانات دجلة والفرات وموجات أمراض الطاعون التي أما فتكت بأعداد هائلة من المواطنين الذين كانوا يقطنون الولايات العراقية على عهد العثمانيين أو أدت إلى هجرة أعداد غفيرة من مواطني الشعب العراقي إلى الولايات والأمارات العثمانية شرق نجد والخليج أو إلى الشام “سوريا ولبنان والأردن وفلسطين أو إلى مصر. ولا زالت الكثير من العوائل من الأصول العراقية محافظة على ألقابها العراقية.

وفي كتابه أسطورة الأدب الرفيع، يأخذ العنوان القارئ إلى مدى الأدب ليسميه على الوردي، وإلى فضاء تحليلي من نوع آخر. فالكتاب يحتوي على مناقشة فكرية جميلة بين مدرستين، الأولى معتزة بالشعر واللغة إلى درجة التزمت والتعصب والثانية يمثلها الكاتب تنتقد الشعر والأدب السلطاني والقواعد اللغوية المعقدة التي وضعها النحاة.

 وفي كتابه وعاظ السلاطين يطرح الوردي أموراً مختلفة منها أن منطق الوعظي الأفلاطوني هو منطق المترفين والظلمة، وأن التاريخ لا يسير على أساس التفكير المنطقي بل هو بالأحرى يسير على أساس ما في طبيعة الإنسان من نزعات أصيلة لا تقبل التبديل، والأخلاق ما هي إلا نتيجة من نتائج الظروف الاجتماعية. ومن خلال كتابيه “خوارق اللاشعور” والأحلام بين العلم والعقيدة” يأخذنا الوردي عبر التحليلات النفسية في مناحي تمس جميع الناس.

وشن حملة شعواء ضد بعض رجال الدين خصوصا في كتابه وعاظ السلاطين ومهزلة العقل البشري وأتهمهم بالوقوف إلى جانب الحكام وتجاهل مصالح الأمة على حساب مصالحهم الضيقة متخاذلين عن واجبهم الدينية.

 ودعا إلى نبذ الخلاف الطائفي بين الشيعة والسنة وطالب بالنظر إلى موضوع الخلاف بين الإمام علي ومعاوية على إنه خلاف تاريخي تجاوزه الزمن ويجب على المسلمين عوضا عن ذلك استلهام المواقف والآراء من هؤلاء القادة التاريخيين.

 ذكر الدكتور علي الوردي كيف كان حكام الدول الإسلامية يستخدمون الوعاظ لتبرير ظلمهم. وذكر السبب الذي من ورائه انجر الوعاظ لمسايرة السلاطين

وهو حب النفس. ولقد إدعى الوعاظ أنهم يفعلون ما يفعلون لـ “مصلحة الإسلام والمسلمين”.

 وكان الدكتور علي الوردي، عراقي حتى النخاع في كل شيء، فكان يعيب على المؤرخين العراقيين نسبتهم الامام أبو حنيفة إلى بلاد الأفغان ويقول ان ابي حنيفة رجل عراقي من عرب العراق الذين استوطنوه قبل الإسلام، ويعيب عليهم قولهم ان الشيخ عبد القادر الجيلاني ،إيراني الولادة في ظل روايات تقول بعراقية مولده ،وكذلك في نسبة الجواهري لفارس وهو العراقي الصميم، وكان يشعر بالاسى ويتحسف على نسبة رموز بغداد إلى غير العراق.

مؤلفاته

 مهزلة العقل البشري.

وعاظ السلاطين.

خوارق اللاشعور (أو أسرار الشخصية الناجحة).

هكذا قتلوا قرة العين وهي قصة مقتطفة من الجزء الثاني من كتاب لمحات

لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث (8 أجزاء).

الأحلام بين العلم والعقيدة.

منطق ابن خلدون.

قصة الأشراف وابن سعود.

أسطورة الأدب الرفيع.

دراسة في طبيعة المجتمع العراقي

شخصية الفرد العراقي، بحث في نفسية الشعب العراقي على ضوء علم الاجتماع الحديث.

أكثر من 150 بحثا مودعة في مكتبة قسم علم الاجتماع في كلية الآداب جامعة بغداد.

وكتبت عنه الدراسات الكثيرة في الجامعات.

 توفي العلامة الدكتور علي حسين الوردي في ( 13تموز 1995) بعد صراع مع مرض لسرطان ، ولم يتمكن الأطباء من معالجته لافتقار المستشفيات العراقية آنذاك إلى الأدوية والمستلزمات الطبية بسبب الحصار الاقتصادي المفروض على العراق, سافر الى الأردن ليتلقى العلاج في مدينة الحسين الطبية و ثم عاد الى العراق ليقضي نحبه فيه..

وبعد عام 2003 كتب الراحل الكبير العلامة الدكتور كامل مصطفى الشيبي مقالة قال فيها: أن الوردي مات مرتين، تطرق فيها الى العمليات التي جرت في جامع براثا والتي سببت إزالة قبره إضافة الى اخرين من الشخصيات الاعلام الذين دفنوا في جامع براثا.