البحث السويسري يكشف أسرار ذوبان التربة الصقيعية في جبال الألب

 توجد التربة الصقيعية في جبال الألب على ارتفاع 2,500 متر، وتثبّت المنحدرات غير المستقرة جيولوجياً. في الصورة: شريكهورن، من بين جبال الألب السويسرية. المصدر:وسائل اعلام
توجد التربة الصقيعية في جبال الألب على ارتفاع 2,500 متر، وتثبّت المنحدرات غير المستقرة جيولوجياً. في الصورة: شريكهورن، من بين جبال الألب السويسرية. المصدر:وسائل اعلام

تسعى الأبحاث العلمية السويسرية الحديثة إلى فهم تأثيرات التغير المناخي على التربة الصقيعية في جبال الألب، في إنجاز علمي يمكن أن يعزز قدرتنا على التنبؤ بالكوارث الطبيعية مثل الانهيارات الأرضية والصخرية. توصل فريق بحث في جامعة فريبورغ إلى طرق جديدة لقيس مدى ذوبان التربة الصقيعية، والتي تلعب دورًا حاسمًا في تثبيت المنحدرات الجبلية غير المستقرة.

على الرابط في الاسفل مقطع فيديو يوضح مشهد ذوبان التربة الصقيعية

https://www.facebook.com/share/v/mpaRtPdJFE5wj4bM

في 23 أغسطس 2017، شهدت قرية بوندو السويسرية كارثة غير مسبوقة عندما انفصلت كتلة صخرية هائلة عن سفح جبل بتزو تشينيالو على الحدود السويسرية الإيطالية. هذا الانهيار الأرضي، الذي أودى بحياة ثمانية أشخاص ودمر جزءًا من القرية، ما زالت التحقيقات القضائية جارية لتحديد مسؤولية السلطات في هذه الكارثة. ومع ذلك، يُعتقد أن التغير المناخي كان له دور رئيسي في تفاقم الوضع.

تأثير التغير المناخي على التربة الصقيعية

التربة الصقيعية، التي تتكون من الجليد والصخور والتربة، تغطي حوالي 5% من اليابسة في سويسرا وتوجد على ارتفاعات تتجاوز 2500 متر. تلعب هذه الطبقة دورًا حاسمًا في تثبيت المنحدرات الجبلية، ومن ثم فإن ذوبانها يمكن أن يؤدي إلى زيادة خطر الانهيارات الأرضية والصخرية. التغير المناخي، من خلال ارتفاع درجات الحرارة، يسرع من ذوبان الأنهار الجليدية وتآكل التربة الصقيعية، مما يزيد من احتمالات الكوارث الطبيعية.

أظهرت القياسات الأخيرة التي أجريت على ارتفاع 3,410 أمتار فوق مستوى سطح البحر على منحدرات جبل شتوكهورن فقدان التربة الصقيعية حوالي 15% من كمية جليدها بين عامي 2015 و2022. هذه القياسات مهمة لأنها تعطي صورة واضحة عن حجم التغيرات التي تحدث في التربة الصقيعية، والتي قد تكون خفية وغير ملحوظة في بعض الأحيان.

الابتكارات في تقنيات القياس

طور فريق البحث في جامعة فريبورغ طريقة جديدة لقياس كمية الجليد في التربة الصقيعية باستخدام تقنيات متقدمة. تعتمد هذه الطريقة على دمج تقنيات المقاومة الكهربائية مع أجهزة استشعار الزلازل. يتم تمرير تيار كهربائي عبر التربة، حيث يتيح الجليد، الذي هو عازل جيد للكهرباء، تحديد كميات الجليد داخل التربة. كما تستخدم أجهزة استشعار الزلازل لإرسال إشارات صوتية إلى داخل التربة لتحليل مكوناتها. هذه الطريقة توفر صورة ثلاثية الأبعاد للتربة الصقيعية، مما يعزز القدرة على مراقبة التغيرات وتوقع تأثيراتها.

 مجموعة أبحاث الغلاف الجليدي والجيوفيزياء، جامعة فريبورغ  المصدر :وسائل اعلام

التأثيرات البيئية والمخاطر المستقبلية

يؤكد كريستيان هاوك، أستاذ الجغرافيا الطبيعية في جامعة فريبورغ، أن هذه التقنيات يمكن أن تكون مفيدة أيضًا في القطب الشمالي، حيث يؤدي ذوبان التربة الصقيعية إلى إطلاق غازات دفيئة قوية تساهم في تسريع التغير المناخي. التربة الصقيعية في القطب الشمالي يمكن أن تطلق غازات مثل الميثان وثاني أكسيد الكربون، التي كانت محبوسة في الجليد، مما يزيد من تفاقم الاحتباس الحراري.

مع ذلك، لا تزال البيانات المتعلقة بتأثيرات الذوبان على البيئة غير كافية. التربة الصقيعية تتفاعل مع التغير المناخي ببطء مقارنة بالأنهار الجليدية، لكن التأثيرات قد تكون كبيرة. قد يستغرق الأمر بين 150 و200 عام للذوبان الكامل للتربة الصقيعية، لكن هذه الفترة الطويلة قد تؤدي إلى زيادة المخاطر على المناطق الجبلية، مثل قرية بوندو، والتي قد تواجه المزيد من الكوارث الطبيعية نتيجة لذلك.

أهمية البحث والمستقبل

يعتبر البحث المستمر في مجال التربة الصقيعية أمرًا حيويًا لمواجهة التحديات المستقبلية المرتبطة بالتغير المناخي. تحتاج المجتمعات إلى فهم دقيق لتأثيرات الذوبان لتقليل المخاطر وتعزيز استراتيجيات التكيف. مع تقدم التقنيات البحثية، يمكن تعزيز القدرة على التنبؤ بالكوارث الطبيعية وحماية البنية التحتية الحيوية في المناطق الجبلية.

تعد سويسرا، بفضل تقنياتها المتطورة في قياس التربة الصقيعية، مثالًا على كيفية الاستجابة للتغير المناخي بشكل فعال. إن تقنيات القياس المطورة حديثًا يمكن أن تساهم في تحسين فهمنا لتأثيرات الذوبان على البيئة، ليس فقط في جبال الألب، ولكن أيضًا في مناطق أخرى مثل القطب الشمالي، حيث تظل الأبحاث مستمرة لفهم كامل التأثيرات البيئية والصحية لتغيرات التربة الصقيعية.