نهب المتاحف والآثار في السودان وسط أجواء الحرب

تماثيل قديمة في المتحف الوطني السوداني، الخرطوم، 25 يونيو 2008. التراث الأثري للسودان يتعرض للنهب وسط الحرب. ( AFP)
تماثيل قديمة في المتحف الوطني السوداني، الخرطوم، 25 يونيو 2008. التراث الأثري للسودان يتعرض للنهب وسط الحرب. ( AFP)

منذ اندلاع الحرب في السودان قبل أكثر من 17 شهرًا، طالت تداعيات النزاع المتاحف والآثار في البلاد، حيث تعرضت لموجات من النهب، وظهرت قطع أثرية للبيع على الإنترنت، مما أثار قلق الباحثين والمنظمات الدولية.

في تحذير أصدرته يوم الخميس، نبهت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (يونسكو) إلى أن "التهديد للثقافة في السودان وصل إلى مستوى غير مسبوق في الأسابيع الأخيرة"، خاصةً في ظل التقارير عن نهب المتاحف والمواقع التراثية والأثرية والمجموعات الخاصة.

قالت إخلاص عبد اللطيف، مديرة المتاحف في الهيئة القومية للآثار ورئيس لجنة استرداد الآثار السودانية، لوكالة فرانس برس، إن "متحف السودان القومي تعرض لعملية نهب كبيرة". وأضافت أن الأقمار الصناعية أظهرت "خروج شاحنات كبيرة محملة بكل القطع الأثرية المخزنة في المتحف عبر أم درمان متجهة نحو الغرب"، حيث تُباع المسروقات في المناطق الحدودية، خصوصًا على الحدود مع جنوب السودان.

بدأ النزاع في السودان في نيسان/أبريل 2023 بين الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة نائبه السابق محمد حمدان دقلو، مما أدى إلى أزمة إنسانية حادة وفقًا للأمم المتحدة.

ما زال من غير الواضح حجم وقيمة المسروقات بسبب صعوبة الوصول إلى المتحف الذي يقع في منطقة تابعة لقوات الدعم السريع. وأكدت عبد اللطيف أن مخازن المتحف القومي "تعتبر مستودعًا رئيسيًا لجميع آثار السودان".

افتُتح المتحف القومي في عام 1971 ويقع في العاصمة الخرطوم، ويطل مدخله على ضفة النيل الأزرق. يضم المتحف مقتنيات وآثارًا تعود لمختلف عصور الحضارة السودانية بدءًا من العصور الحجرية وصولًا إلى الفترة الإسلامية، بما في ذلك الآثار النوبية والمسيحية.

أُنشئ المتحف جزئيًا لإنقاذ القطع الأثرية وبقايا المعابد النوبية والمصرية القديمة من الغمر بالمياه أثناء بناء السد العالي في أسوان بمصر.

بيع القطع الأثرية عبر الإنترنت

لم يرد المتحدث باسم قوات الدعم السريع على استفسارات وكالة فرانس برس، لكنه أكد في بيان صادر في أيار/مايو حرص القوات على "حماية آثار الشعب السوداني والحفاظ عليها". ومع ذلك، انتشر إعلان على مواقع التواصل الاجتماعي يعرض قطعة أثرية تحتوي على ثلاثة تماثيل (رجل وامرأة وطفل) للبيع على موقع "إي باي" بسعر 280 دولارًا، مع وصفها بأنها من الآثار المصرية القديمة.

ندد العديد من السودانيين ببيع تراث السودان عبر الإنترنت، بينما أكد أحد خبراء الآثار السودانية، الذي فضل عدم الكشف عن هويته، أن التمثال المعروض هو تقليد، لكنه أشار إلى وجود إعلانات لقطع فخارية وذهبية ولوحات كانت موجودة بالمتحف.

أضاف الخبير أن "التماثيل الضخمة قد تتعرض للتدمير إذا حاول السارقون تحريكها لأنها تحتاج إلى متخصصين".

دعت اليونسكو السودانيين والجمهور والوسط الفني إلى الامتناع عن الاتجار بالقطع الفنية السودانية.

إغلاق المتحف وصيانة

في عام 2020، أغلقت الحكومة السودانية المتحف لصيانته، وظل مغلقًا حتى بداية عام 2023، عندما تم نقل تمثال الملك ترهاقا إلى داخل المتحف بمساعدة فريق إيطالي متخصص. ولكن لم يُفتتح المتحف مجددًا بسبب اندلاع المعارك.

في حزيران/يونيو، أكدت اليونسكو "تعرّض أكثر من عشرة متاحف ومراكز ثقافية ومؤسسات ذاكرة للنهب والتخريب" في السودان، محذرةً من ضياع "ذاكرة آلاف السنين من الحضارة والمعرفة والتقاليد الأصلية في البلد".

لم يقتصر النهب على المتحف القومي فقط؛ فقد تعرض متحف نيالا في جنوب دارفور لموجة نهب شملت ممتلكاته وأدوات عرضه، وتم نهب متحف الخليفة عبد الله التعايشي في أم درمان، وتدمير أجزاء من مبناه الذي يعود لحقبة الدولة المهدية.

يرجع الباحث في الآثار السودانية والمدير الأسبق لهيئة الآثار، حسن حسين، سبب السرقات إلى غياب الحراسة بسبب الحرب، ويدعو إلى تسليط الضوء على أزمة سرقة التراث السوداني خلال مؤتمر سيعقد في مدينة مونستر الألمانية، مؤكدًا أن "أوضاع الآثار السودانية تشغل جميع المهتمين بالتراث الإنساني".