بين جبهة لبنان واحتجاجات إيران.. هل أعادت إسرائيل ترتيب أولويات الضربة العسكرية؟

أعادت وسائل الإعلام العبرية صياغة تصريحات لمصادر عسكرية أشارت إلى استمرار وجود حزب الله في جنوب لبنان ومساعيه لاستعادة قوته وتعزيز مواقعه. وقد تم استخدام هذه المزاعم الإسرائيلية كذريعة لتنفيذ سلسلة من الغارات الجوية التي استهدفت جنوب وشرق لبنان يوم الجمعة. 

يأتي هذا بينما أعلن الجيش اللبناني إنجاز المرحلة الأولى من خطة حصر السلاح جنوب الليطاني، وهو ما شككت فيه الحكومة الإسرائيلية، مؤكدة أن الجهود اللبنانية ليست كافية لنزع سلاح حزب الله أو وقف إمداداته. وتواصل إسرائيل الضغط لضمان تنفيذ المرحلة الثانية من الخطة.

على الصعيد الميداني والسياسي، واجه إعلان الجيش اللبناني عن استكمال "أهداف المرحلة الأولى" من خطة نزع سلاح "حزب الله" في منطقة جنوب الليطاني تشكيكاً إسرائيلياً رسمياً حاداً؛ حيث سارعت إسرائيل إلى نفي صحة هذه الادعاءات، واصفةً البيان اللبناني بأنه "يجافي الحقيقة" ولا يقدم توصيفاً دقيقاً للواقع الأمني الفعلي على الأرض.

ورغم هذا التشكيك الإسرائيلي، طرأ تحول ملحوظ في حدة الخطاب الحربي؛ فبعد التهديدات المتصاعدة بشن عملية عسكرية واسعة النطاق، تشير المعطيات الحالية إلى توجه نحو "تبريد" الجبهة وتخفيف وطأة الرد الوشيك. وتؤكد مصادر سياسية وعسكرية رفيعة في تل أبيب أن إسرائيل بدأت تتراجع تدريجياً عن خيار "الضربة الشاملة" في الوقت الراهن، واستبدلت ذلك باستراتيجية بديلة تقوم على تنفيذ "ضربات نوعية ومركزة"؛ بحيث تكون قاسية وموجعة في أثرها، لكنها تظل محدودة النطاق لتجنب الانزلاق نحو حرب مفتوحة غير محسومة النتائج.

وكانت تلك المصادر قد أكدت أن نتنياهو اتفق مع الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، خلال لقائهما في فلوريدا، الأسبوع الماضي، على توجيه ضربة حربية كبيرة لـ«حزب الله»، مقابل موافقة نتنياهو على غالبية المطالب الأميركية في غزة وفي سوريا. والحجة لضرب «حزب الله» جاهزة، وعليها شبه إجماع في إسرائيل. فاستطلاعات الرأي تشير إلى أن 57 في المائة من الجمهور يؤيد الضربة فوراً.

وفي وقت سابق أصدر، مكتب نتنياهو أصدر بياناً رسمياً، يوم الأربعاء، قال فيه إن «اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم بوساطة الولايات المتحدة بين إسرائيل ولبنان ينص بوضوح على ضرورة نزع سلاح حزب الله بالكامل»، معتبراً أن هذا الأمر «ضروري لأمن إسرائيل ولمستقبل لبنان».

ردود إسرائيلية حول ملف نزع السلاح جنوب الليطاني

ونقلا ً عن صحيفة «هآرتس» عن مصادر في الجيش الإسرائيلي، فإن «وجود حزب الله في المنطقة لم ينتهِ»، وإن الجيش «يواصل رصد أنشطة للتنظيم حتى في هذه الأيام». وأضافت أن إسرائيل تنظر بإيجابية إلى إقرار الجيش اللبناني بأنه «ما زالت هناك مهام لم تُنجز»، لكنها تشكك في «قدرته على تنفيذ ذلك فعلياً».

وقال مصدر عسكري إسرائيلي إن تقييم تل أبيب لملف نزع السلاح «لا يُبنى على بيانات وتصريحات، بل على معطيات ونتائج عملياتية، مشدداً على أنه "مع استمرار بنى عسكرية لحزب الله جنوب الليطاني، لا يمكن الحديث عن نزع سلاح فعلي".

وفي موازاة ذلك، أفادت مصادر عسكرية إسرائيلية تحدثت لصحيفة «يديعوت أحرونوت» بأن الإعلان اللبناني كان متوقَّعاً مسبقاً، مشيرة إلى أن إسرائيل تتجه إلى رفض الادعاء بأن المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني قد جرى نزع سلاحها فعلياً.

ونقلت الصحيفة عن مصادر عسكرية قولها إن الجيش الإسرائيلي رصد، خلال الأشهر الأخيرة، أن الجيش اللبناني «لم يُدمّر وسائل القتال التي جمعها من حزب الله»، بل «قام بتخزينها في مستودعات داخل لبنان»، وذلك «رغم معارضة إسرائيلية شديدة» لهذا الإجراء.

ووفقاً لهذه التقديرات، يرى الجيش الإسرائيلي أن الجيش اللبناني توصّل إلى ما وصفه بـ«حل مؤقت» مع «حزب الله»، يقوم على «مصادرة السلاح من دون تدميره بالكامل»، مقابل موافقة الحزب على هذا الترتيب، وفق الادعاء الإسرائيلي.

وقالت مصادر عسكرية لموقع «واللا»، إن «حزب الله» نجح في تهريب كمية هائلة من الأسلحة وحقائب مليئة بملايين الدولارات، عبر الحدود مع تركيا، تستخدم لتعزيز قوة وشعبية الحزب وتضمن إعادة بناء قوته.

خلافاً للحتمية التي فرضها الخطاب العسكري السابق بضرورة توجيه ضربة كبيرة، طرأ تغيير جوهري في لهجة القيادة الإسرائيلية خلال الساعات الأخيرة. فوفقاً لمصادر عسكرية، يفضل رئيس الوزراء نتنياهو حالياً التريث الاستراتيجي، مدفوعاً بخشية حقيقية من أن تؤدي عملية عسكرية واسعة النطاق ضد أهداف في لبنان إلى تحويل الأنظار الدولية والإقليمية بعيداً عن الأحداث الدراماتيكية الكبيرة الجارية داخل إيران، والتي تشهد موجة متصاعدة من الاحتجاجات الشعبية والاقتصادية التي تطالب بإنهاء النظام الحالي.

ترى إسرائيل في سقوط النظام الإيراني هدفاً استراتيجياً أسمى، ولذلك تعتبر أنه من غير الحكمة التشويش على حملة الاحتجاجات هذه بأي تصعيد عسكري قد يخدم تماسك القيادة الإيرانية داخلياً. هذا التقييم الجديد لا يعني التخلي عن الخيارات العسكرية، بل تجميدها مؤقتاً.

وعليه، ستواصل الأجهزة الأمنية الإسرائيلية الاستعداد الكامل لسيناريو "دخول بري جديد إلى الأراضي اللبنانية بقوات كبيرة"، خصوصاً وأن نتنياهو قد حصل بالفعل على دعم أميركي لمثل هذه العملية. لكن قرار التنفيذ بات مرتبطاً بشكل وثيق بتطورات المشهد الإيراني، وستختار إسرائيل "الوقت الملائم" الذي يضمن تحقيق أهدافها الأمنية دون تقويض هدفها الأوسع المتمثل في الضغط على طهران."